كتب: حسام الحملاوي
“الثورة لا تعرف حدودا جغرافية” هي مقولة يرددها النشطاء ويضربون المثل باليونان. فما إن بدأت مواجهات الشوارع في المدن اليونانية حتي انتشرت كقطع الدومينو التي تسقط واحدة بعد الأخري إلي جنوب وشمال أوروبا. فقام المتظاهرون البريطانيون باقتحام السفارة اليونانية بلندن وحرق العلم اليوناني بعد احتلالهم المبني، وتكرر المشهد في باريس وكوبنهاجن ومدريد وموسكو وحتي في تركيا العدو التقليدي للدولة اليونانية.
وفي إيطاليا أضرب الملايين من العمال والطلبة الجمعة الماضي وعمت المسيرات روما والمدن الأخري.ردت قوات الشرطة في مختلف العواصم الأوروبية بعنف علي تلك التحركات التضامنية، فشنت سلسلة من الاعتقالات وصفتها “الديلي تليجراف” اللندنية بـ”التصعيد الخطير للأزمة اليونانية” واعتبرتها مؤشرا علي حالة عدم الاستقرار السياسي التي تعاني منها دول البحر المتوسطي .
الانفجارات الاجتماعية التي تشهدها العواصم الأوروبية ليست وليدة الأسبوع الماضي والأحداث اليونانية فقط، فالقارة تعج بالإضرابات العمالية والمظاهرات الطلابية التي تتصاعد وتيرتها منذ بداية الألفية نتيجة لتعاقب حكومات يمينية ويسارية طبقت سياسات التكيف الهيكلي وتحرير السوق والخصخصة وقطع الانفاق الاجتماعي التي أدت إلي تأثير سلبي كبيرا علي مستويات معيشة المواطنين.
ففي 2002 نظمت النقابات العمالية الإيطالية إضرابا عاما ضد السياسات الاقتصادية للحكومة ، وفي صيف العام ذاته شهدت إسبانيا واليونان إضرابات عامة حول المطالب نفسها.. وفي فرنسا بدأت سلسلة من الاعتصامات لأصحاب المعاشات في ربيع 2003 وسرعان ما انتشرت للقطاع الطلابي والنقل العام بالبلاد.. واستمرت الاحتجاجات التي تنوعت في اتجاهاتها بين مواجهة سياسات السوق او مناهضة الحرب .وعقب ذلك إضرابات لقطاعات صناعية، ولكن العام الماضي كان نقطة تحول بدخول عمال النقل الجوي والبري الساحة بقوة في مختلف الدول الأوروبية مما أدي إلي شلل تام في المواصلات في نوفمبر 2007 بإيطاليا ، أعقبه سلسلة من الإضرابات في ألمانيا وإسبانيا وفرنسا استمرت حتي صيف العام الحالي.. وفي بريطانيا بدأ سائقو الباصات وعمال القطاع العام سلسلة من التحركات في صيف 2008، انضم إليهم فيها المدرسون وموظفو القطاع العام والمحليات.. وفي الوقت نفسه قام سائقو الشاحنات في إسبانيا بغلق الطرق احتجاجا علي زيادة أسعار الوقود وأضرب المدرسون والطلبة في فرنسا احتجاجا علي السياسات التعليمية للحكومة المحافظة . اللافت للانتباه هو التنسيق المتزايد للاحتجاجات في مختلف الدول.. فحينما يضرب العمال أو الطلبة في بلد أوروبي تأتي الردود التضامنية سريعة من دول الجوار، بسبب تشابه الظرف السياسي والعلاقات الوطيدة بين النقابات العمالية والاتحادات الطلابية التي بناها النشطاء في السنوات الأخيرة ، وهو ما يثير قلق الحكومات الأوروبية التي اندفعت عبر العقدين الماضيين في إدماج اقتصاداتهم وتوحيدها وهم غير مدركين أنهم يوحدون أيضا حركات المقاومة الاجتماعية في بلدانهم. والآن يخرج بعض الساسة والمحللين الأوروبيين بتصريحات تحذر من عودة شبح 1968 وهي السنة التي قاد فيها الطلاب الأوروبيون انتفاضة قوية شهدت احتلال ساحات الجامعات.. وسرعان ما انتشرت ثورة الطلبة للمصانع آنذاك ولم يتم إخماد الانتفاضة الأوروبية إلا بقمع واسع من قوات الأمن الأوروبية والتي تصرفت آنذاك مثل نظرائها في ديكتاتوريات العالم الثالث

نقلا عن “




















